فخر الدين الرازي
25
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تغلبه والحياء يمنعه عن الكلام فيسألونه عن الأمر الذي لم يغلط فيه في الدنيا وهو التوحيد ، فإذا ذكره زالت الدهشة والوحشة عنه . وثالثها : أنه تعالى لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية ، فسأله عن منافع العصا فذكر بعضها فعرفه اللَّه تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر ، تنبيها على أن العقول قاصرة عن معرفة صفات النبي الحاضر فلو لا التوفيق والعصمة كيف يمكنهم الوصول إلى معرفة أجل الأشياء وأعظمها . ورابعها : فائدة هذا السؤال أن يقرر عنده أنه خشبة حتى إذا قلبها ثعبانا لا يخافها . السؤال الثاني : قوله : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ / يا مُوسى خطاب من اللَّه تعالى مع موسى عليه السلام بلا واسطة ، ولم يحصل ذلك لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمد . الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى كما خاطب موسى فقد خاطب محمدا عليه السلام في قوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [ النجم : 10 ] إلا أن الفرق بينهما أن الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه اللَّه إلى الخلق ، والذي ذكره مع محمد صلى اللَّه عليه وسلم كان سرا لم يستأهل له أحد من الخلق . والثاني : إن كان موسى تكلم معه وهو [ تكلم ] مع موسى فأمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم يخاطبون اللَّه في كل يوم مرات على ما قال صلى اللَّه عليه وسلم : « المصلي يناجي ربه » والرب يتكلم مع آحاد أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم يوم القيامة بالتسليم والتكريم والتكليم في قوله : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] . السؤال الثالث : ما إعراب قوله : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى الجواب ، قال صاحب « الكشاف » : ( تلك بيمينك ) كقوله : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [ هود : 72 ] في انتصاب الحال بمعنى الإشارة ويجوز أن يكون تلك اسما موصولا وصلته بِيَمِينِكَ قال الزجاج : معناه وما التي بيمينك ، قال الفراء : معناه ما هذه التي في يمينك ، واعلم أنه سبحانه لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك أجاب موسى عليه السلام بأربعة أشياء ، ثلاثة على التفصيل وواحد على الإجمال . الأول قوله : هِيَ عَصايَ قرأ ابن أبي إسحاق : ( هي عصي ) ومثلها : ( يا بشرى ) وقرأ الحسن ( هي عصاي ) بسكون الياء والنكث هاهنا ثلاثة . إحداها : أنه قال : هِيَ عَصايَ فذكر العصا ومن كان قلبه مشغولا بالعصا ومنافعها كيف يكون مستغرقا في بحر معرفة الحق ولكن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم عرض عليه الجنة والنار فلم يلتفت إلى شيء : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] ولما قيل له امدحنا ، قال : « لا أحصي ثناء عليك » ثم نسي نفسه ونسي ثناءه فقال : « أنت كما أثنيت على نفسك » . وثانيها : لما قال : عَصايَ قال اللَّه سبحانه وتعالى : أَلْقِها ، فلما ألقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ليعرف أن كل ما سوى اللَّه فالالتفات إليه شاغل وهو كالحية المهلكة لك . ولهذا قال الخليل عليه السلام : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] وفي الحديث : « يجاء يوم القيامة بصاحب المال الذي لم يؤد زكاته ويؤتى بذلك المال على صورة شجاع أقرع » الحديث بتمامه . وثالثها : أنه قال هي عصاي فقد تم الجواب ، إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض . الثاني : قوله : أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها والتوكي ، والاتكاء ، واحد كالتوقي ، والاتقاء معناه اعتمد عليها إذا عييت أو وقفت على رأس القطيع أو عند الطفرة فجعل موسى عليه السلام نفسه متوكئا على العصا وقال اللَّه تعالى لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم : « أتكئ على رحمتي » بقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 64 ] وقال : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] فإن قيل : أليس قوله : وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يقتضي كون محمد يتوكأ على المؤمنين ؟ قلنا قوله : وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ معطوف على الكاف في قوله : حَسْبَكَ اللَّهُ * والمعنى اللَّه حسبك ، وحسب من اتبعك من المؤمنين . الثالث : قوله : وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي أي أخبط بها فأضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على غنمي فتأكله . وقال أهل / اللغة : هش